أبو ريحان البيروني

108

القانون المسعودي

مكان من متمكن بالإطلاق ، ومثبتوه لا يضيفون الجذب إليه إلّا عند الخلوّ فإذا ملأ جسم لم يجذب إليه جسما آخر ومكان الأرض مملوء بها ، فهبه للمسامحة موجودا وفي جوف الأرض محصورا حتى يجذب الأجسام إليه وإن انتقض ذلك بالمتحركات الخفية عن المركز إذ الخلاء غير مفرق في الجذب بين الثقيل والخفيف ، وإنما يفرق بين السائل المائع وبين الغليظ المتماسك الممتنع فلا محالة أن الخلاء الذي في بطن الأرض يمسك الناس حواليها ، أليس أحد المتقاطرين من سكانها كالمستقرّ على القرار عارف من نفسه حال الاستواء والآخر كالمشدود كرها على السقف يعرف من نفسه الانتكاس والاضطرار وليس أحدهما إذا انتقل إلى مكان الآخر بواجد فيه غير ما كان يجده ذاك لكن الناس في جميع مواضع الأرض على حالة واحدة ليس عندهم مما ذكرنا خبر ، ومنها الدفع فبعض يقيّده بسرعة الحركة حواليها وبعض يطلقه ، وقد مال إليه بطليموس وأشار إلى الدعم ولو كان منه شيء لكان أثره في الأصغر من أجزاء الأرض أظهر منه في أعظمها لكنا لا نجد الأصغر بذلك الدعم أسرع اندفاعا إلى الأرض وأشد حركة ، والاتفاق فيما بين الناس واقع على تسمية ما فوق الرأس علوّا وتسمية ما تحت الرجل سفلا لكن القائس إذا تعرّف الحال في موضع واحد من الأرض تخيّل إليه أن جهة العلوّ واجدة بعينها وجهة السفل كذلك ممتدّة في خلاف جهة العلوّ بالغا ما بلغ حتى يتمادى به سوء مأخذ النظر إلى الظن بأن الأرض إن توهمت مرتفعة مخلّا سبيلها عما يعتمد عليه بثقلها أنها ستهوي دائما على سمتها إلى أن تمانعها السماء فتمنعها ويضطر من ذلك في سبب قيام الأرض وسط السماء إلى إقامة أجزاء تحتها علوية الاعتماد تدعمها فترفع ثقلها حتى تكافي قوة رفعها قوة سفولها أو إلى تسكين بقسر أو إلى إحداث سكون بعد سكون إذا كان السكون عنده عرضا والأعراض غير باقية وسائر ما هو أبصر به من صناعته والعلوّ وإن كان ما فوق الرأس والسفل وتحت الأقدام ، فإن الأمر فيها إذا عمّ جميع وجه الأرض ولم يخص ذلك موضعا دون آخر حصل منه أن جهة السماء هي العلوّ بالإطلاق وإنها سقف أينما كانت وإن جهة الأرض هي السفل بالإطلاق وإنها قرار أينما كانت واستبان أن العلوّ هو التباعد عن المركز وإن السفل هو الدنوّ منه وإليه إقدام من على وجه الأرض لكن ما حكيناه أولا هو أقرب إلى التصور العامي فلهذا يظن بما نذهب إليه في وسط العالم أنه السفل بالحقيقة إنا نأخذه بالأماني والهوي أو نتبعه اتباع مذهب ورأي معتقد ، وإنما يضطرنا إليه الوجود عند قياس موجب بعض البقاع إلى بعض . أما بطليموس فإنه قال : إن الأثقال تنزل على سطح الأفق أعمدة ، وكل عمود